تخطي أوامر الشريط
التخطي إلى المحتوى الأساسي

 الميمن : القرارات الملكية بشأن محاربة الفساد .. حماية للمكتسبات، ورعاية للأمانات، وقيام بأمر الشارع في الولايات

 
أ.د. إبراهيم بن محمد قاسم الميمن وكيل جامعة الإمام  لشؤون المعاهد العلمية

أكد فضيلة وكيل جامعة الإمام لشؤون المعاهد العلمية الأستاذ الدكتور إبراهيم بن محمد قاسم الميمن أن من الثوابت التي تعد من أبجديات المسؤوليات والولايات رعاية المسؤولية، وحفظ العهد، وأداء الأمانة، وهذا الشأن من الظهور والبيان ما لا يحتاج معه إلى مزيد تأكيد وهذا ما يوجبه ديننا، ويسعى إليه ولاة أمرنا – أيدهم الله- ويجسدون فيه القدوة في الواقع، ومن هنا كانت تلكم الأوامر السامية السديدة، والتوجيهات الحكيمة الرامية تحقيق النزاهة والصلاح والإصلاح، والقضاء على صور الفساد، والضرب بيد من حديد على كل مفسد ومخرب، والسعي للنماء والازدهار، وسد الثغرات التي يغري بها الشيطان ويزينها تحت حجج ومبررات وحيل قد تضعف أمامها النفس البشرية، وهذا الحزم المشهود، والجهد العظيم الذي اعتمد الأصول الشرعية، وانطلق من المحاسبة التي هي نهج ديننا يضاف إلى جهود هذه الدولة المباركة في هذا الشأن، وتحقيق النزاهة في أعلى معدلاتها، وأزهي صورها، واستصحبت دولتنا الرشيدة هذه المعاني فالعدل أساس الملك، ومملكتنا الحبيبة، ودولتنا العظيمة اتخذت هذا المنهج الذي أعلنه خادم الحرمين الشريفين، ملك الحزم والعزم، الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - أيده الله- فقال: "نطبق مكافحة الفساد على الصغير والكبير، ولا نخشى في الله لومة لائم بحزم وعزيمة لا تلين، بما يبرئ ذمتنا أمام الله عز وجل"، وعززها سمو ولي العهد، نائب رئيس مجلس الوزراء، صاحب السمو الملكي الأمير/ محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، فقال: "لن ينجو أي شخص دخل في قضية فساد سواء كان أميرًا أو وزيرًا، ومن تتوفر ضده الأدلة الكافية سيحاسب"، ورأينا ذلك واقعًا ملموسًا، وبعزيمة ماضية.

وبيّن " الميمن "  أنه حينما نعود إلى شريعتنا الغراء، ومواقف النبي صلى الله عليه وسلم، نجد هذا التسديد الذي يوجب مراقبة الله تعالى، فالولايات أمانات ومسؤولية عظيمة كما خاطب النبي ﷺ من طلب ولاية، فقال له: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها»، والمسؤولية عن المال العام من أعظم الأمانات، والمقصود بالمال العام مال الدولة، وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تخوض فيه بغير حق، وجعله العلماء بمنزلة مال اليتيم في وجوب المحافظة عليه، وشدة تحريم الأخذ منه، أخذًا حقيقيًا باختزاله أو نقصه أو استعماله في المصالح الخاصة، أو أخذًا حكميًا بالتقصير فيما يجب من أمانة، قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ[، ]وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون] ، وعن خولة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة»، قال ابن حجر: أي: يتصرفون في أموال المسلمين بالباطل.

وأوضح أن هذا التصرف يعد في نظر الشرع غلولاً، وقد يظن بعض الناس أن الغلول قاصر على الأخذ من الغنائم قبل قسمتها، وهذا مدلول قاصر، بل الغلول كما ورد في النصوص مفهوم شامل، يشمل كل من خان في شيء خفية، والأصل في الغل ما يوضع في الأيدي والأرجل ليقيد حركتها، ثم استعمل فيما ينقله الإنسان من المال العام إلى ماله خفية، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله على قول الله تعالى: [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ]: "الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان"، وقد دل على هذا المفهوم ما أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي حميد : «هدايا العمال غلول»، وفي المتفق عليه عن أبي حميد أيضًا، قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: "هذا لكم وهذا أهدي لي" قال له رسول الله ﷺ: «فهلا قعدت في بيت أبيك أو بيت أمك فتنظر أيهدى لك أم لا؟» فقام رسول الله  على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟! والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر»، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ثم قال: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت، ففي هذا الحديث بيّن الرسول ﷺ أن ما يأخذه أصحاب الولايات على أعمالهم بصورة الهدايا أنها غلول، بل ورتب عليها ما رتب الله على غلول الغنيمة، فإن الله تعالى قال: [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]، أي: يأتي به حامله على ظهره فضيحة له، وتشهيرًا بعمله، وتعذيبًا له بهذا الجزء الذي تلذذ به، فإذا قورنت دلالة الآية بالحديث تبين أن كل خيانة في ولاية فهي غلول، فتشمل الهدية على العمل، أو الهدية على الشفاعة ممن كان على العمل، وتشمل النقص في العمل المعين حتى يضطر الناس إلى المجاراة والمداهنة والرشاوى تخليصًا لحقوقهم، وتشمل حتى النقص الذي لا يشعر به الناس، كعدم الالتزام بأداء العمل؛ لأن ساعات العمل مقابلة بالرزق والمكافأة، فإذا نقص فيها فقد غلّ فيما يقابلها، أو باستغلال وقت العمل أو أدواته في الشؤون الشخصية حتى لو كان يسيرًا، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: "كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركرة، فمات، فقال رسول الله: «هو في النار»، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها، قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث تحريم قليل الغلول وكثيره" ا.هـ. وفيه أن الغلول بشيء من أسباب عذاب القبر به.

إن لهذه التصرفات التي تدخل في مفهوم الغلول مفاسد كبيرة، فهي من أسباب نزع البركة، وسبب للكسب المحرم، ومن أعمال المنافقين وصفاتهم التي يعرفون بها، وأي مسلم يرضى أن يكون من هذا الصنف، أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: «للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هجرًا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرًا، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل صخب بالنهار»، ومن الآثار الخطيرة: أن الغال لا تقبل صدقته، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول»، فالصدقة من مثل هذه الموارد المحرمة غير مقبولة، يقول ابن العربي: الصدقة من مال حرام في عدم القبول واستحقاق العذاب كالصلاة بغير طهور"، ومنها: أن الغلول عار ونار وشنار يوم القيامة، في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه بسند صحيح في حديث طويل، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: «ردوا الخياط والمخيط فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عار ونار وشنار يوم القيامة»، وفي سنن الدارمي بسند جيد أن رسول الله ﷺ قال: «أدوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة»، وفي مقابل ذلك ورد الوعد بدخول الجنة لمن سلم من هذا الشأن الخطير، في سنن الترمذي بسند صحيح عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدَّيْن دخل الجنة»، ومن الآثار الخطيرة للغلول: ما يترتب على اشتهاره وانتشاره من ضياع الحقوق، وفساد الأمور، وأكل الأموال بالباطل، وتعطيل مصالح الناس، ومنها: الجناية على الحق العام، باستغلال مصالح الناس العامة للشأن الخاص، وغلبة الأخلاق الرذيلة من الشح والطمع والحرص والجشع، فالأصل أن ما يعطاه العامل على عمله وولايته قطع لمثل هذه الأبواب، فما زاد فهو دليل شره النفس ورداءة الطبع إذا كان بغير حق مشروع، وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن بريدة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «من استعمل على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول».

ويكفي أن رسول الله ﷺ أعاد وأبدى في هذا الشأن الخطير، حتى إن رسول الله بيّن أنه لن يكون شافعًا لمن وقع في الغلول، في المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: «لألفين يجئ أحدكم يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك»، وذكر أصنافًا من المال يحملها أصحابها، فذكر الفرس، والرقاع، والصامت، وهو الذهب والفضة.

وختم " د. الميمن " تصريحه بالدعاء لهذه القيادة الكريمة على ما يبذلونه من جهود مباركة سائلاً الله أن يحفظ علينا ديننا وأمننا، وقيادتنا، وأن يجعل أعمالهم زادًا لهم إلى رضوان الله وجنته، إنه سميع مجيب .

--
22/08/1439 03:23 م
آخر تعديل تم على الخبر:
 

المحتوى المرتبط

بحث / ربط المحتوى

    عنوان المحتوى التاريخ