الحمد لله حمد الشاكرين، تفضل علينا بنعم لاتحصى، وآلاء لاتعد ولاتستقصى، جمع بعد شتات، وألف بعد فرقة، وأنعم وتفضل فله الحمد حتى يرضى، والصلاة والسلام على نبينا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحابته ومن اقتدى، وبعد: فإن نعم الله تعالى التي تترادف على العباد، تقيد بالشكر، وهو مبني على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطناً، والتحدث بها ظاهراً، وتصريفها في مرضاة وليها ومسديها ومعطيها. ففعل ذلك يحقق الشكر الواجب، وقد مَنَّ الله على هذه البلاد بنعمة الأمن والأمان والعقيدة الصافية، والوحدة والألفة، والاجتماع والمواطنة، وتعداد نعمه سبحانه وتعالى وتذكرها من وسائل شكرها، وهذه المناسبة الوطنية الكبرى, ذكرى عظيمة, ويوم خالد في تأريخ هذه الأمة، فاليوم الوطني لوطننا المبارك, وبلادنا الحبيبة, المملكة العربية السعودية, والذي تمر علينا ذكراه المتجددة الممتدة -بإذن الله-, ويعبق فينا شذاه, ونحتفي بالذكرى الخامسة والثمانين والذي يوافق هذا العام العاشر من ذي الحجة، ونعيش نعمه العظيمة, التي نسأل الله عز وجل أن يحفظها من الزوال, ويديمها على هذه البلاد, فاليوم الوطني نقطة فاصلة في التأريخ المعاصر لجزيرة العرب, وتحول نوعي, تحققت فيه لهذا الوطن الآمن أعظم نعمة يمن الله بها على عباده ألا وهي التوفيق لتحقيق توحيده، والتمسك به بعيداً عن شوائب البدع والخرافات، والشركيات، وهذا لعمر الله من أجل النعم وأوفاها، إذ بالتوحيد ينجو المسلم من عذاب الله ويستوجب دخول الجنة، " إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ "، وبالتوحيد يتحقق الأمن التام في الدنيا والآخرة " الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ " ، ونعمة الأمن والأمان، والطمأنينة والإطمئنان، نعمة لا يقدر قدرها إلا من عرف الحقبة التأريخية السابقة لهذا التأريخ المجيد, واطلع على سائد تلك الأيام في هذه الجزيرة العربية, وما كان بها من رزايا التفرق والاختلاف, وقبل ذلك بُعْدٌ عن دين الله, وهدم لأصل الأصول, وأساس الدين توحيد الله جل وعلا.
كما أن هذا التأريخ يذكرنا بنعم عظيمة ترتبت على نعمه التوحيد والأمن ألا وهي نعمة الولاية المباركة التي واجهت واقع تلكم الأيام بعقيدة صافية، وهمة عالية، وعزيمة ماضية، وإيمان عميق بوعد الله، ويتحقق بفضل الله ثم بجهودها أعظم وحدة معاصرة يجمع الله بها القلوب، وتتوحد الأفئدة وتجتمع على إقامة شريعة الله والحكم بها والتحاكم إليها، والتعبد لله بهذه العبوديات التي تحقق الغاية من الخلق.
إن هذه المناسبة تهدف إلى تذكيرنا بهذه الأصول والثوابت التي أقامها موحد هذا الكيان الكبير الإمام المجاهد الصالح عبدالعزيز بن عبدالرحمن طيب الله ثراه وجعل الجنة مأواه حينما جعل همه وهمته على نصرة دين الله، وإقامة شريعة الله، وتحقيق توحيد الله، ورفع راية الدعوة والحسبة وغير ذلك, مما جعله الله أساسا في تحقق الأمن بمعناه الشمولي، وكمال النعمة بالتمكين والاستخلاف في الأرض، ولهذا فما قامت عليه مملكتنا الحبيبة هو من أسس العز والنصر والتمكين والاستخلاف, امتثالاً لأمر الله تعالى لنا بالتوحد ونبذ الفرقة في قوله تعالى : (واعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) و من أعظم دروس هذا اليوم أن نجتمع ولا نتفرق فهذا ما أمرنا الله به، ونهانا عن ضده في قوله: (ولا تفرقوا) فقد أمرنا بالجماعة ونهانا عن الفرقة ، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يرضى لكم ثلاثا ، ويسخط لكم ثلاثا ، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .. " الحديث . فالاجتماع ضمان وعصمة ، و الاتفاق نجاة وسلامة من الزلل والخطأ.
وإن ما نتج عن امتثال أمر الله في الاعتصام بحبله وعدم التفرق مما نعيشه في وطننا المبارك منذ توحيده من آلاء ونعم،ورفاهية ورغد العيش والرخاء، وتطبيق التوحيد وتحقيق العبودية لله، ونعمة الأمن والأمان التي صارت مضرب المثل للقاصي والداني, وغيرها من النعم الظاهرة والباطنة, لهو موعود الله لمن أعلى راية التوحيد, وطبق شرع الله, والله تعالى يقول: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون) (الأنعام:82), وقال: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) (الحج:40).
إن هذه المناسبة تعيد إلى الأذهان ذلك العمل البطولي، الذي قام به الملك المؤسس الباني المغفور له -بإذن الله- الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل -, رحمه الله وجعل الجنة مأواه-وما أنجزه خلال فترة قياسية حتى وحد هذه الجزيرة المتنافرة المتباعدة الأطراف على دين الله, وتحكيم شرع الله, والقيام بما أمر الله, فلقد صدق الله في نيته وعمله فصدقه الله, ومكَّن له, واستطاع بذلك العمل التأريخي أن يقيم أعظم وحدة في مقابل التهديدات التي كانت تواجه العالم العربي خصوصًا والعالم الإسلامي عمومًا, ولتكون ثمار هذه الوحدة أمنًا وارفًا, وعيشًا رغيدًا, وألفة واجتماعًا, وكيانًا عظيمًا يستعصي على الزوال بإذن الله, بل صار منطلقًا لجهود متواصلة, وأعمال دؤوبة, تصب في خدمة الدين أولاً, ثم خدمة هذا الوطن الآمن, فمرور هذه الذكرى تذكرة للأجيال الحاضرة والقادمة بنعمة الله على هذه الجزيرة أن هيأ لها هذا الإمام الفذ, والقائد المصلح, ومنحه من الصفات ما مكنه من تجاوز كل العقبات ليجمع الله على يده شمل هذه الجزيرة, ولتستمر هذه النعم في أبنائه البررة وأحفاده الميامين, حيث لا نزال وسنظل -بإذن الله- نتفيأ هذه النعم ما دام أن صانعي القرار, وولاة الأمر يعلنون في كل مناسبة, ويفخرون أمام العالم بأن سر العز والتمكين هو تطبيق شرع الله الحكيم, والتمسك بهذا الدين القويم, وتتكرر على ألسنة حكامنا الأوفياء أن أمر الدين والوطن لا مساومة عليه.
| ووحده عبدالعزيز بجهده | وجند له شقوا الطريق لدربه |
| شمال غدا جزء لبعض جنوبه | وآلف شرقاً قد تناءا وغربه |
| وأبناؤه ساروا بنهج أبيهم | فصانوه من أيد تهاوت لحربه |
| وصرنا نفوق الغير فيه تقدما | وجزنا به الجوزاء في ظل ركبه |
إن هذه المناسبة فرصة للمحاسبة والتذكير بأهمية هذه الأسس والثوابت التي قامت عليها المملكة العربية السعودية, وربط الناشئة بهذه المعالم التي تحميهم من الانحراف, وتجعل مسألة الانتماء لوطنهم ومحبته, والشعور بنعم الله عليه, والوفاء بمقومات المواطنة الحقة التي هي حفاظ على الثوابت التي قامت عليها البلاد من أبرز وأهم ما ينشؤون عليه, ويستشعرونه شعورًا غريزيًا فطريًا, ويتنامى لديهم, ويتعزز بما لهذا الوطن من خصائص وميزات, وما حباه الله به من خيرات, ببركة هذا الحكم الراشد, والدولة الميمونة, فهذه هي دلالات هذا اليوم العزيز, وهذا ما يذكرنا به مروره المتكرر, وإن حقًا علينا ونحن نتفيأ هذه النعم, ونرى في مقابل ذلك ما يحيكه أعداء الأمة وأعداء الوطن الذين يستهدفون أمنه ووحدته وثوابته أن نتحمل المسؤولية كاملة, وأن نجعل من مثل هذه المناسبات فرصة لتجديد العهد, والتذكير بما تقتضيه الأصول الشرعية المرتبطة بالجماعة والإمامة, والبيعة, وأن نتخذ من قيامنا بها عبودية نتعبد بها لله امتثالاً لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء:59), وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة», ونبني على هذا أن لا نسمح بأي فرصة تحدث خللاً أو نقصًا حتى ولو بالشعور والمشاعر, ونتجه بها إلى ناشئتنا الذين استهدفتهم سهام الغدر، وأيادي رموز الضلال والانحراف، والتيارات المتطرفة لتقطع صلتهم بوطنهم وتجندهم في متاهات الإرهاب، فواجبنا تحمل المسؤولية عنهم، حتى نجعل هذه المعالم الشرعية والوطنية حصانة تقي مجتمعنا وأجيالنا من الانحراف بإذن الله, والله المسؤول أن يحفظ علينا هذه النعم, ويحميها من الزوال, وإنني اغتنمها فرصة لأرفع ببالغ الامتنان التهنئة الخالصة, والتبريكات لمقام مليكنا المفدى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز, وسمو ولي عهده الأمين وزير الداخلية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف، وولي ولي العهد وزير الدفاع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان, حفظهم الله ذخرًا للإسلام والمسلمين, ولهذا الوطن الغالي, وأدام عليهم نعمه, وأسبغ عليهم فضله, وأتم عليهم آلاءه, إنه سميع مجيب, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكيل الجامعة لشؤون المعاهد العلمية
أ. د . إبراهيم بن محمد قاسم الميمن