شدد سعادة عميد كلية الاعلام والاتصال بجامعة الإمام رئيس كرسي اليونسكو للحوار بين اتباع الديانات والثقافات الأستاذ الدكتور عبدالله بن محمد الرفاعي على أهمية إسهام وسائل الإعلام في إشاعة لغة الحوار وثقافة السلم كمنطلق للتفاهم والتعايش على الصعيدين المحلي والدولي ، جاء ذلك خلال افتتاح سعادته صباح اليوم في مبنى المؤتمرات بالجامعة لحلقة نقاش بعنوان "تطبيقات ثقافة السلم في الخطاب الإعلامي ، التي أقامها كرسي اليونسكو للحوار بين أتباع الديانات والثقافات وقدمها معالي وزير التعليم العالي السابق في الجزائر الأستاذ الدكتور مصطفى شريف وحضرها أعضاء الهيئة العلمية للكرسي وعدد كبير من أساتذة الإعلام وطلاب الدراسات العليا.
وقال د.الرفاعي إن هذه الحلقة تأتي ضمن سلسلة من الجهود المستمرة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعلى رأسها معالي المدير الأستاذ الدكتور سليمان بن عبدالله أبا الخيل للإسهام والتفاعل مع مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين أتباع الديانات والثقافات.
مضيفاً إن مبادرة خادم الحرمين الشريفين جاءت رغبةً منه ـ حفظه الله ـ ومن المملكة في إشاعة ثقافة السلم كبديل حضاري في مواجهة الكراهية والعنف ، والواجب علينا كافراد ومؤسسات أن نعمل بنفس مستوى المبادرة لتحقيق غاياتها النبيلة القائمة على الحوار والتعايش بعيداً عن الإقصاء والكراهية .
وتمنى الأستاذ الدكتور عبدالله الرفاعي أن يوفق القائمون على الكرسي لتحقيق أهدافه المرسومة ليكون رافداً من روافد السلم وإشاعة لغة الحوار من خلال وسائل الإعلام ، وتأهيل الدارسين والمهتمين في المجال الإعلامي من خلال الدورات وحلقات النقاش التي يقيمها .
تلا ذلك محاضرة الأستاذ الدكتور مصطفى شريف التي جاء فيها : أن وسائل الإعلام أصبحت السلطة الأولى في عصرنا الحاضر بعدما كانت السلطة الرابعة، وهي تقوم اليوم بدور أساسي في تأجيج الحروب أو تحقيق السلام، والدور الأول لوسائل الإعلام ليس بث ثقافة ما ..أيديولوجية ما... دين ما.. وإنما تغطية الأحداث، ولكن يمكن أن تساهم في تعزيز ثقافة السلم أو النزاعات أو تعزيز هوية ما ومشروع ما..، والسلم والحرب مرتبطين بالخطاب الإعلامي المسيطر، وتسطيع وسائل الإعلام أن تجعل مفهوم ثقافة السلم سائداً وحاضراً أو ضعيفاً و غائباً في المجتمع ، وفي هذا السياق كيف يمكن أن تكون ثقافة السلم هدفاً جوهرياً في مضامين وممارسات وسائل الإعلام؟
وهنا أكد د.مصطفى أن ثقافة السلم تحتاج من الجميع مجهودات عامة، وخاصة سواء كانت مشتركة أو فردية لتغيير الخطاب الإعلامي من الاتجاه السلبي إلى مساره الصحيح، وأيضا تغيير أسلوب التفكير، والمعاملات، لتحقيق التعايش السلمي داخل المجتمعات وبين الشعوب، وهذا يعني حل النزاعات عن طريق التفاوض، والوقاية من الأزمات، وإعادة بناء الثقة داخل المجتمعات وبين الشعوب.
مؤكداً أن كل المجتمعات تحلم بالعيش في سلام وأمان، ولكن هذا يتطلب عمل جاد ومستمر، وثقافة السلم مبنية على شرط هام هو: توعية الناس بأهمية احترام التعددية والتنوع والاختلاف في الرأي كما هي سنة الحياة. وتأسيس ثقافة السلم من قبل وسائل الإعلام قائمة على ضرورة فهم وشرح أن الأولوية في العمل الإعلامي تنصب على المصلحة المشتركة والمنفعة العامة، وليست على وجهة نظر واحدة، وهذا يعني رفض الإقصاء والعنف الأعمى، والكراهية تلك العوامل التي تعرقل تطور المجتمع الإنساني.
مصادر تهدد السلم
وعن المصادر المحتملة لتهديد السلم قال الدكتور مصطفى : كثيرة هي المصادر التي تهدد السلم ومنها عدم احترام كرامة الناس، غياب العدل، وانتشار الجهل، والفقر، والغلو، والتعصب، والتطرف بكافة أشكاله، وثقافة السلم هي الرد على هذه التهديدات وأسباب النزاعات، وهي تبحث عن حلول من داخل المجتمعات ذاتها، وليست مفروضة من الخارج، وهنا يبرز دور وسائل الإعلام التي تتناول غالبية الأحداث، وخاصة ذات الطابع النزاعي، واللغة الإعلامية تمتاز بخصوصيتها، وهنا تكمن الاشكالية أيضا ،حيث أن المفاهيم والمفردات المستخدمة في الخطاب الإعلامي تلعب دوراً في هذا المجال، وإعطاء الاطراف المتنازعة مسميات محددة تدلل على موقف الوسائل، وتسمية الأمور والاطراف المعنية في هذا الاطار أمر حساس، لأنها تساهم في الحل أو تعقده، أوفي اتهام الناس أو تبرئتهم.
الدور المغيب لوسائل الإعلام:
وهنا انتقد الدكتور مصطفى دور وسائل الإعلام التي عادةً ما تكتفي ببث الخبر وبقراءة سريعة للنزاعات، والأزمات، والحروب، حيث يجب أن تساهم في توضيح المسميات وحل كل هذه المشاكل دون تحيز، من خلال توعية وتنبيه المسؤولين والرأي العام لتحقيق السلم، فثقافة السلم مسؤولية مشتركة تهم كافة المؤسسات والناس.
ضرورة العمل المشترك:
حول إمكانية تعميم ثقافة السلم من طرف وسائل الإعلام بين المحاضرة أن ذلك ليس بأمر مستحيل، وهذا مبدأ المنظمات الدولية، كمنظمة اليونسكو وذلك لمحاولة تعزيز ثقافة السلم في كل الدول، خاصة في المناطق التي تعيش وسط نزاعات وخلافات، وترتبط ثقافة السلم بخمسة أنواع من الخطاب وهي: الإعلام، والتربية، والدين، والسياسة، والاقتصاد. وتتميز وسائل الإعلام بأنها تستخدم من قبل كل هذه القطاعات كسلاح استراتيجي لتحقيق أهداف مختلفة.
مؤكداً أن وسائل الإعلام في عصر سيطرة السوق الإعلاني عليها تسعى، إلى تحقيق أهداف تجارية وتسويقية، والربح السريع، وهذا ما يتناقض في بعض الأحيان مع مبادئ ثقافة السلم، وفي هذا الإطار تركز بعض وسائل الإعلام على الموضوعات ذات الاثارة، والحساسية، والفضائح، وذلك من أجل أن تحقق انتشاراً أكبر حتى ولو كان ذلك على حساب الأخلاق والسلم.
ولمواجهة هذه الانزلاقات يتوجب تأسيس مواثيق أخلاقية لتحديد قواعد وحقوق وواجبات للصحفيين، وتعاون وتنسيق بين كل المهنيين للحفاظ على مبادئ وأخلاقيات الممارسة الإعلامية، ويلزمنا أن نتعلم كيف نعالج الأحداث والأخبار والمعطيات بعيداً عن العاطفة والذاتية والنظرة الضيقة والمزايدة، وبعض وسائل الإعلام تحاول الوصول إلى هذا الأمر، خاصة أن هذه الوسائل تستخدم اللغة العقلانية، والمتوازنة، لمعرفتها التامة أن المفردات والمصطلحات المستعملة تشكل رهاناً جوهرياً لعلاج الأمور.
الحوار ضرورة
وحذر الدكتور مصطفى من ترك الساحة لدعاة الصدام بين الحضارات ، وقال: نلاحظ أن الخطاب الذي يركز على صدام الحضارات، وعدم التوافق بين ثقافة الغرب والشرق، والخلط المغرض بين الدين والذين يوظفونه يتناقض مع مبادئ ثقافة السلم، ويجب علينا أن نخرج من هذه الدائرة المغلقة، ومن هذا الصراع الذي أصبح متزايداً، ومستغلا، لإلهاء الناس وغض أبصارهم عن القضايا الأساسية التي تواجه الشعوب.
ورغم كل الاختلافات بيننا وبين العالم الغربي لا محل للعنف، أو الكراهية، أو الاقصاء، خاصة أنه يوجد داخل الغرب، وكذلك داخل الشرق عدة اتجاهات منها ما هو سلبي، وأخر إيجابي، بل وأكثر من ذلك، إذ نحن اليوم مرتبطين ومتشاركين في أمور عدة، وكل ما يسهم في مواجهة التحديات المشتركة، واستعمال لغة إعلامية متزنة بعيداً عن التهم والخلط، يصب في بناء ثقافة السلم، ويجب كذلك أن نعمل على تأسيس شبكة تواصل بين وسائل الإعلام العربية والغربية من أجل تحقيق العدل والسلم، للتركيز على المصالح المشتركة، لأنه لا يوجد صديق دائم أو عدو دائم، ولكن توجد هناك منفعة مشتركة لتحقيق التعايش السلمي بين الأمم.
الخروج من دائرة الصراع
وللخروج من دائرة الصراع قدم المحاضر مقترحاً جاء فيه: يجب على وسائل الإعلام أن تقوم بدورها كوسيط بين المجتمعات والمؤسسات وبين المتخاصمين، كسلطة مضادة بنائه لمصلحة الجميع، بحيث تعطي الفرصة لكافة الجهات للتعبير، مما يسهم في تقريب وجهات النظر واحتواء الخلاف وتحقيق الإجماع والحل الوسط.
تفعيل الإعلام السلمي
وتتبع الدكتور مصطفى تطور البحوث عن دور وسائل الإعلام في بناء السلم ، الذي يعد موضوعاً جديداً ، حيث قال: شهدت هذه البحوث تطوراً بعد نهاية الحرب الباردة، وحرب الخليج الأولى ،وظهور شبكات التواصل الاجتماعي، فإذا كانت وسائل الإعلام تساهم في مرافقة الحروب، فإنها تستطيع أن تؤثر في أصحاب القرار والرأي العام لمحاولة تحقيق السلم، ولهذا البحوث الجديدة عن هذا الموضوع اقترحت مفهوم الإعلام السلمي(peace journalism) ومعارضة للإعلام الحربي(war journalism)، فالأول يساعد في التحكم في أسلوب التفاوض وتحقيق التعايش السلمي، أما الثاني فهو يحرض على مزيداً من التفرقة ،الدينية ،والعنصرية ، والعرقية، والسياسية ،ويبحث عن كبش فداء وهو مبني على دعايات وإشاعات مضللة تنتج الكراهية بين الناس، وتريد أن تبرر العمليات الحربية، وتتيح الفرصة لمشاركات الجهات المتطرفة من الجهتين المتعارضتين، على حساب الأغلبية الصامتة والحل الوسط.
نصائح للباحثين في الإعلام السلمي:
يجب على كل باحث أن يفرق بين العناصر السلبية والعناصر الإيجابية للخطب الإعلامية، من أجل بناء إجراءات الثقة بين الاطراف المتعارضة، والتأثير السلبي يستعمل أسلوب الخلط والغموض والتحريض بين الظالم والمظلوم، والمُستعمر والمستعمر، والمعتدي والمعتدى عليه، بينما التأثير الإيجابي يركز على العمل الوسطي، وعلى ضرورة الحوار والتفاوض والمصالحة، وتجنيد الرأي العام للدفاع عن الحل السلمي، والدبلوماسي، والعقلاني للخلافات والنزاعات.
وموضوع أي بحث في هذا المجال يلزم أن يكمن في العملية المنطقية والخطب المتفتحة المتوازنة المعتدلة في علاج أحداث متأزمة لاستعمال إجراءات إعلامية لتسهل فهم الوضع، وتهدية الأمور بين المتخاصمين، ويمكن لوسائل الإعلام أن تقوم بدور أساسي في بناء الثقة وتحقيق السلم، وينبغي على الصحفيين أن يساهموا في البحث عن مجتمع سلمي ، وعلاقة ودية بين الشعوب، والخطاب الإعلامي لوسائل الإعلام يتوجب عليه دعم كل المبادرات التي تصب في الجانب السلمي، حتى لو اعتبر البعض أن الصحفي لابد أن يبقى محايداً وغير منحاز ، ومهمته محدودة في نقل الخبر مجرداً من غير أي إضافات.
وهذا الأمر غير كافٍ وتجاوزته الأحداث ،خاصة وأن بعض من الخطب الإعلامية تعتبر طرفاً في النزاعات، وتخوض موقف غير بناء، والمشكلة تكمن في العلاقة بين وسائل الإعلام والنخب السياسية من جهة، ووسائل الإعلام وأصحاب المال من جهة أخرى، كما أن ظروف وسائل الإعلام تؤثر على ثقافة السلم، والمهنيين والخبراء في مجال الإعلام، والصحفيين بصفة عامة لديهم ثقافتهم الخاصة وقيم ومبادئ ولغةٍ تحكم ممارستهم، وتأثر على سلوكياتهم.
معرفة البيئة قبل تعزيز الثقافة:
وكمطلب لتعزيز ثقافة السلم يرى الدكتور مصطفى أهمية معرفة البيئة الحاضنة أولاً، واحترامها، والعمل على تطويرها، حيث أن النخب السياسة تسعى للتأثير على هذه البيئة من خلال إملاء وجهة نظرها على الصحفيين، وهذا الأمر غير سهل إذا ما لم تحترم خصوصية هذا المجال الذي يمتاز بالاستقرار أكثر من المجال السياسي، والممارسات الإعلامية صعب تغيرها وهذا يخلق أزمات مع شرائكهم الأخرين.
مضيفاً ، ولبناء ثقافة السلم في المجتمعات لابد أن نفهم عقليات، وتقاليد، ولغة وسائل الإعلام بصفة عامة، والصحفيين بصفة خاصة، وبالذات أن العمل الصحفي يعتبر مرآة عاكسة لعمل الأخرين، فإذا كان عمل السياسيين يركز على الحل السلمي، والبحث عن الاجماع ولمّ الشمل، ونبذ الخلافات، فسوف يكون ذلك مؤثر بشكل إيجابي على التغطية الإعلامية.
وإذا السياسيين والنخب الأخرى الثقافية ، والعلمية ـ والإعلامية، والاقتصادية، منقسمين يؤثر ذلك سلباً على التغطية الإعلامية، وينتج عن ذلك انحراف في التغطية الإعلامية التي تركز على الانقسامات وعدم الاجماع، والتناقضات ، وتهمش لبّ وجوهر الموضوع، ولا تركز على حل القضية ذاتها. وبذلك يصبح المسار السلمي أكثر تعقيداً، والحوار بين الصحفيين، والسياسيين، والنخب الأخرى ضرورة هامة، خاصة وأن ثقافة السلم مسؤولية مشتركة، محلية ودولية، ووسائل الإعلام لديهم مسؤولية للبحث عن الحلول السلمية رغم ضعف الأخرين، وكل الشركاء المعنيين.
الحرية والتنوع ضرورة:
مؤكداً أهمية التنوع وتعددية الآراء في وسائل الإعلام، حيث أن التعددية في الآراء شرط لشيوع ثقافة السلم ، وهذه التعددية والتنوع في الآراء، تتيح للأطراف الأخرى، إذا تشاركوا في الاطلاع عليها، بالتفكير بشكل جدي بحلول سلمية، وإذا لم تتقاسم كل الأطراف تنوع الأفكار، سيعزز ذلك الأفكار السلبية، والانغلاق على النفس، بينما التقاسم والمشاركة والتبادل يسهم في بناء ثقافة السلم، وهذا هو دور وسائل الإعلام، وغاية الإعلام السلمي.