في يوم التأسيس، لا نقف عند لحظة تاريخية عابرة، بل نستحضر بداية مشروع حضاري تشكَّل فيه الوطن على أسسٍ راسخة من القيم، والوعي، والرؤية بعيدة المدى.
فمنذ عام 1727م، لم يكن تأسيس الدولة السعودية الأولى حدثًا سياسيًا فحسب، بل انطلاقةً لكيانٍ أدرك مبكرًا أن بناء الدولة لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالإنسان، والمعرفة، والاستقرار القائم على وضوح الهوية والمسؤولية التاريخية.
لقد جاء التأسيس في سياق تاريخي بالغ التعقيد، ومع ذلك نجح هذا الوطن في أن يرسّخ وجوده، ويعيد بناء نفسه عبر المراحل المختلفة، محافظًا على ثوابته، ومتفاعلًا مع متغيرات عصره، حتى غدا اليوم دولةً ذات حضور مؤثر، ورؤية واضحة، ودور فاعل في محيطها الإقليمي والدولي.
ومن هنا، فإن يوم التأسيس ليس استذكارًا للبدايات فحسب، بل تأملاً في سرّ الاستمرارية، وكيف تحوّل هذا الكيان من دولةٍ ناشئة إلى وطنٍ راسخ، يجمع بين عمق الجذور واتساع الطموح.
ويأتي الاحتفاء بيوم التأسيس اليوم في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبدعمٍ ورؤيةٍ يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ليؤكد أن مسيرة هذا الوطن لم تكن يومًا منقطعة، بل متصلة الجذور، متجددة المسار.
لقد جسدت القيادة في هذا العهد نموذج الدولة التي تستلهم تاريخها، وتقرأ واقعها بوعي، وتبني مستقبلها بثقة، واضعةً الإنسان في قلب التحول، والمعرفة في صدارة الأولويات، والحضور العالمي امتدادًا طبيعيًا لدولةٍ تعرف وزنها ودورها.
وفي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، نستحضر يوم التأسيس بوصفه امتدادًا لرسالتنا العلمية والفكرية؛ رسالةٍ تؤمن بأن التعليم العالي رافعة أساسية للتنمية، وأن الاستثمار في الإنسان هو الضمان الحقيقي لاستدامة المنجز الوطني.
وتأتي كلية اللغات والترجمة ضمن هذا الإطار لتؤدي دورها في إعداد كوادر قادرة على التواصل الأكاديمي والمهني عالميًا، ونقل المعرفة، وبناء جسور التفاهم، وتمثيل المملكة بصورة تعكس عمقها الحضاري ومكانتها الدولية.
إن ما تشهده المملكة اليوم من تحولات نوعية يؤكد أن التأسيس لم يكن نهاية مرحلة، بل بداية مسارٍ مستمر، يستمد قوته من التاريخ، وينفتح على المستقبل، ويؤمن بأن الأصالة لا تتعارض مع المعاصرة، بل تمنحها معناها وعمقها.
وفي يوم التأسيس، نؤكد أن الوفاء لهذا الوطن لا يكون بالاحتفاء بالماضي وحده، بل بالعمل الصادق في الحاضر، والاستعداد الواعي للمستقبل، كلٌّ من موقعه ومسؤوليته.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها، ووفق قيادتها وشعبها لمواصلة مسيرة البناء والعطاء.