اليوم السوطني السعودي صناعة المجد واستنطاق الخلود
مقال وقصيدة
في حياة الشعوب والأمم محطات تتجاوز حدود العد الزمني لتستقر في مدارات الإعجاز البشري والحضاري. وفي كل سنة تشرق فيها شمس الثالث والعشرين من سبتمبر، لا تقف المملكة العربية السعودية أمام رقم جديد يضاف إلى عمر الدولة، بل أمام فعل تجدد تاريخي يستنطق الماضي، ويعانق الحاضر، ويفتَرِع دروب المستقبل بثقة لا تعرف المهابة.
منذ أن أرسى القائد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- قواعد هذا البناء الأشم؛ فلم يكن إعلان الوحدة يومئذ مجرد تبدل في خرائط الجغرافيا، بل كان انبعاثاً لأمة صاغت مصيرها من قلب الشتات، وحولت المهامه الموحشة إلى واحات للأمن والإيمان والبناء، حاملة راية التوحيد التي ظلت خفاقة لم تنتكس على مر الدهور.
وإذا كانت المنجزات تقاس بعظم تحدياتها، فإن عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ورؤية ملهم الشباب وعراب التحول سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز -حفظهما الله-، قد جعلا من هذه المسيرة ملحمة معاصرة تتخطى المألوف. فقد غدت السعودية محط أنظار العالم؛ قوة اقتصادية وفكرية وتنموية تبني صروح المجد بعقول أبنائها، وتروض التحديات بإرادة صلدة لا تلين.
وأمام هذا المد من الفخار، يظل الشعر هو الوعاء الأنقى لذاكرة الوطن، واللسان الأفصح عن فيض الولاء والانتماء. ومن وحي هذه الذكرى المجيدة، سكبت هذه الكلمات نبضاً وقافية؛ لأرسم بلغة الحب والاعتزاز ملامح هذه المسيرة الخالدة، مستحضراً فيها رمال البلاد التي ولد عليها الزمان، والعزيمة التي أبت إلا أن تبلغ عنان السماء، في هذه القصيدة الموسومة بـ:
عِزُّنَا فِي طَبْعِنَا
وُلِدَ الزَّمَانُ عَلَى رِمَالِكَ نَاشِئًا ... وَالضَّوْءُ مِنْ شُرُفَاتِ مَجْدِكَ قَبَّلَهْ
كَانَ المَدَى تِيهًا وَلَيْلًا مِنْ سُدًى ... حَتَّى سَكَبْتَ عَلَى ضُحَاهُ: أَوَّلَهْ
مَا عَدَّنَا التَّارِيخُ عُمْرًا عَابِرًا ... بَلْ نَحْنُ مَنْ صَنَعَ المَصِيرَ وَفَصَّلَهْ
تَمْشِي القُرُونُ عَلَى خُطَى أَمْجَادِنَا ... وَالكَوْنُ يَسْتَهْدِي سَنَانَا مِشْعَلَهْ
أَطْلَقْتُ لِلْوَصْفِ البَلِيغِ عِنَانَهُ ... فَأَفَاضَ فِكْرِي بِالقَرِيضِ وَأَجْمَلَهْ
سَكَبَتْ عَلَى جِيدِ الزَّمَانِ قَلَائِدًا ... عَصْمَاءَ تُهْدِي لِلْوُجُودِ تَهَلُّلَهْ
يَوْمٌ يُعِيدُ إِلَى الوُجُودِ نَضَارَةً ... غَنَّى لَهَا الكَوْنُ الفَسِيحُ وَرَتَّلَهْ
تَارِيخُ عِزٍّ صَاغَهُ صَقْرُ الفَلَا ... بِالسَّيْفِ حَتَّى نَالَ فِيهِ مُؤَمَّلَهْ
مِنْ يَوْمِ شَادَ عِمَادَهَا بِحُسَامِهِ ... وَالنَّصْرُ يَرْسُمُ لِلزَّمَانِ تَشَكُّلَهْ
لَمَّ الشَّتَاتَ عَلَى التُّقَى فَتَوَحَّدَتْ ... أَرْضُ الجَزِيرَةِ حُرَّةً وَمُبَجَّلَهْ
وَأَقَامَ صَرْحًا لَا يُزَعْزِعُهُ الرَّدَى ... صُلْبَ البِنَاءِ وَفِي الشَّرِيعَةِ أَصَّلَهْ
أَمْجَادُنَا إِرْثٌ يُعَانِقُ عِزَّنَا ... تَمْرٌ وَنَخْلٌ وَالسُّيُوفُ مُصَقَّلَهْ
حَتَّى اسْتَوَى لِلْمُلْكِ سَلْمَانُ الذَّرَى ... مَلِكٌ حَبَاهُ اللهُ نُورًا جَلَّلَهْ
شَهْمٌ تَدَرَّعَ بِالعَدَالَةِ وَالحِجَى ... وَمَضَى إِلَى كُلِّ اعْوِجَاجٍ عَدَّلَهْ
يَرْعَى حِمَاهَا صَادِقًا فِي عَهْدِهِ ... فَاسْتَبْشَرَتْ يُمْنَاهُ فِيمَا أَجْزَلَهْ
وَمُحَمَّدٌ قَدَرُ الزَّمَانِ إِذَا انْتَضَى ... سَيْفَ الطُّمُوحِ لِكُلِّ مَجْدٍ ذَلَّلَهْ
لَيْثُ النِّزَالِ وَغَيْثُ كُلِّ مُؤَمَّلٍ ... قَرْمٌ يَرُوضُ الصَّعْبَ مَهْمَا أَعْضَلَهْ
يَبْنِي الصُّرُوحَ الشَّامِخَاتِ بِعَزْمِهِ ... صَلْدَ الإِرَادَةِ لَا يَهَابُ غَوَائِلَهْ
جَعَلَ الثُّرَيَّا لِلْمَسِيرِ رِكَابَهُ ... وَالمُسْتَحِيلَ إِذَا تَصَدَّى جَنْدَلَهْ
سَبَقَ العُصُورَ بِفِكْرِ فَذٍّ مُلْهَمٍ ... يَهْدِي الزَّمَانَ سَدَادَهُ وَمُؤَمَّلَهْ
هِيَ رُؤْيَةٌ قَادَتْ خُطَانَا لِلْعُلَى ... فَاسْتَنْفَرَتْ هِمَمَ البِلَادِ مُجَلْجِلَهْ
نَبْنِي المَفَاخِرَ بِالعُقُولِ كَأَنَّنَا ... حُزْنَا سَنَاهُ وَافْتَرَعْنَا مَفْصِلَهْ
نَمْضِي نُعَانِقُ فِي الفَضَاءِ بُرُوجَهُ ... مَا ثَنَّتِ الأَهْوَالُ يَوْمًا جَحْفَلَهْ
وَتَبَسَّمَتْ تِلْكَ المَدَائِنُ عِزَّةً ... تَسْمُو بِمُنْجَزِهَا العَظِيمِ مُهَلِّلَهْ
مِنْ صَرْحِ فِكْرٍ قَدْ رَفَعْنَا عَهْدَنَا ... نَسْقِي النُّفُوسَ ضِيَاءَهُ لِنُكَمِّلَهْ
مِنْ شَاطِئِ البَحْرِ العَرِيقِ مَفَاخِرًا ... لِشُمُوخِ طَوْدٍ حَازَ أَعْلَى مَنْزِلَهْ
هَذِي بِلَادِي مَعْقِلٌ لِرِجَالِهَا ... نَهَلُوا الكَرَامَةَ سِيرَةً مُتَسَلْسِلَهْ
قَوْمٌ إِذَا دَاعِي الفِدَاءِ دَعَاهُمُ ... خَاضُوا الحِمَامَ وَلَمْ يَهَابُوا قَسْطَلَهْ
إِنْ رَامَ خَصْمٌ أَنْ يَنَالَ ذِمَارَنَا ... خَرَّتْ لِهَيْبَتِنَا الرُّؤُوسُ مُجَدَّلَهْ
وَسُيُوفُنَا يَوْمَ النِّزَالِ قَوَاطِعٌ ... تُرْدِي العَدُوَّ بِصَارِمٍ لَنْ يُمْهِلَهْ
وَلِوَاؤُنَا الخَفَّاقُ يَعْلُو عِزَّةً ... لَمْ يَنْتَكِسْ.. وَالشَّمْسُ تَلْثِمُ مِعْقِلَهْ
فِي رَايَةِ التَّوْحِيدِ عِزُّ وُجُودِنَا ... تَعْلُو السَّحَابَ مُنِيرَةً وَمُظَلِّلَهْ
نَحْنُ الحُصُونُ الرَّاسِيَاتُ إِذَا دَجَا ... لَيْلُ الخُطُوبِ نَصُدُّهُ وَنُزَلْزِلَهْ
دَارُ السُّعُودِ تَظَلُّ أَعْظَمَ مَفْخَرٍ ... لَوْ رَامَ كَاتِبُ دَهْرِنَا أَنْ يَعْقِلَهْ
لَتَقَاصَرَتْ عَنْ كُنْهِهَا كَلِمَاتُهُ ... وَغَدَتْ أَمَامَ بَهَائِهَا مُتَبَتِّلَهْ
يَا قِبْلَةَ الإِسْلَامِ يَا مَهْدَ الهُدَى ... يَا مَوْطِنًا رَبُّ البَرَايَا فَضَّلَهْ
فِيكَ الرِّسَالَةُ خُلِّدَتْ أَنْوَارُهَا ... نُورٌ أَضَاءَ الكَوْنَ حَتَّى جَمَّلَهْ
عَهْدًا عَلَيْنَا أَنْ نَصُونَ حِمَى الثَّرَى ... فَالرُّوحُ دُونَ حِيَاضِهِ مُسْتَبْسِلَهْ
دُمْ يَا سُعُودِيَّ الفَخَارِ مُتَوَّجًا ... تَسْقِي الوُجُودَ سَحَابَةً مُسْتَرْسِلَهْ
هَذَا لِوَاءُ الحَقِّ يُشْرِقُ هَيْبَةً ... وَالعَدْلُ فِيكَ مَحَا الضَّلَالَ وَأَبْطَلَهْ
تَبْقَى بِلَادِي شَمْسَ كُلِّ حَضَارَةٍ ... تَجْلُو دَيَاجِيرَ الظَّلَامِ المُسْدَلَهْ
فَاسْلَمْ أَبَا فَهْدٍ مَلِيكًا حَازِمًا ... لِيَصُونَ عِزَّ بِلَادِهِ وَيُظَلِّلَهْ

تاريخ آخر تعديل: ٢٢/٠٩/٢٠٢٦ - ١٢:٣٢ م بتوقيت السعودية