الأخطاء الطبية
مفهومها وأسبابها

 

إعـــداد
د.عبد العزيز بن فهد القباع
 

  


المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
تتعلق مهنة الطب بمقصودٍ عظيمٍ من مقاصد الشرع وهو حفظ النفس، ويُعتبر هذا القصد مشترَكاً إنسانياً عاماً لا يختلف أحد على أهميته وأهمية هذه المهنة ونبل القائمين عليها، مهما كان جنسهم ودينهم وفلسفتهم للحياة الإنسانية. ومن هنا يتبين لنا بوضوح أن سلامة الإنسان وصحته والمحافظة عليها من الأهداف التي جاءت بها الشريعة الإسلامية الغراء قبل أن تنادي بها القوانين الوضعية إلا أن التطور المطرد في المجال العلمي والتكنولوجي وما رافقه من اختراعات واكتشافات اقترنت بصحة البشرية إذا ما أحسن استغلالها وكل ذلك جعل الإنسان مهدداً في سلامته إذا لم يتم وضع الضوابط اللازمة التي تحكم هذه المسئولية وتواكب تلك التطورات .
وعلى الرغم من أن مهنة الطب مهنة إنسانية في الأساس إلا أنها من المهن المعقدة والخطيرة بحسب ما يترتب على الخطأ فيها من كوارث تمس حياة البشر وقد تفضي مع بعض الأخطاء إلى الوفاة في بعض الأحيان . ومع التطور الرهيب في العلم فقد ازدادت بنسبة ملحوظة الأخطاء الطبية  التي أصبحت شبه يومية وأصبحت حديث الصحف أحيانا وأروقة المحاكم أحيانا أخرى وهو ما جعل من موضوع الأخطاء الطبية مشكلة مجتمعية تحوز أهمية خاصة لدى جميع فئات المجتمع ولم تعد مشكلة مهنية محصورة ضمن كواردها الطبية لذا كان لزاماً الاهتمام بجميع أطراف المعادلة في المجال الطبي حماية التطور والتقدم الطبي لخدمة الإنسان من جانب ، وحماية الإنسان المريض من هذا التطور وخاصة من الأخطاء الطبية من جانب آخر وهذا يؤكد ضرورة وضع النظم والتشريعات الكفيلة للمحافظة على سلامة الإنسان وحمايته من تجاوزات الأطباء ومساءلتهم عن الأخطاء التي ترتكب بحق المريض . 
وحيث إن مناط النزاع في مسائل الخطأ الطبي يتعلق بالأنفس والأعضاء، وحيث إن الله تعالى قد حكم في هذه الخصومات من فوق سبع سماوات، فإن تحقيق العدالة محصور في التزام مرجعية الشريعة في التشريع والقضاء والتنفيذ، قال الله تعالىﮋ ﮮ  ﮯ   ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ   ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ   ﯞﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ  ﯥﯦ  ﯧ   ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰ   ﮊ ( ) ،  فهذه الآية وإن كانت في جنايات العمد العدوان، فإن المقصود من الاستدلال بها بيان أن التحاكم إلى غير شرع الله تعالى في الأنفس والجراحات يفضي إلى الظلم، وهذا واضحٌ من خلال النظر في التفاوت الكبير بين الأنظمة التشريعية والقضائية الوضعية في العالم بأسره، في حين أن التحاكم إلى شريعة رب العالمين هي الملاذ الوحيد للعدل في الحكم والمساواة في ضمان الحقوق، فكان لزاماً التنبيه على هذا الأمر في مقدمة هذا البحث. 

 

أهداف البحث:
يهدف هذا البحث الموجز إلى التعريف بجملة من الأمور المتعلقة بمسألة الخطأ الطبي هي:
1-بيان الأصول التي تنبني عليها المسؤولية الطبية.
2-  بيان موجبات المسؤولية الطبية بقسميها وأثار ثبوت المسئولية الطبية.
3- تعريف ألخطأ الطبي وبيان أقسام الأخطاء الطبية.
4- إحصائيات عالمية عن الأخطاء الطبية .
5-معنى الضرر في المجال الطبي.
6- بعض الأمثلة الواقعية للأخطاء الطبية.
7-كيفية الإفصاح ومعالجة الخطأ الطبي علمياً.
8- الخلاصة والخاتمة.

 
الفصل الأول: المسؤولية الطبية
مقدمة:
لقد خلق الله الإنسان وقدره وعززه وكرمه قال تعالىﮋ ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ    ﭡ  ﮊ ( ),ولذلك فقد عنيت الشريعة الإسلامية, أيما عناية , بحماية النفس البشرية فحرمت قتل النفس وحفظت حق الإنسان في الحياة الكريمة.
ويقتضي العمل في المجال الطبي بمختلف تخصصاته تعامل الطبيب مع مرضاه ويقتضي هذا التعامل ترتب مسئولية يتحدد حجمها تبعا لطبيعة التعامل ومقداره. والطب أمانة، فمن تعلمه وامتهنه أصبح مكلفا ومسئولا بعلمه وعمله بما يترتب على ذلك من جزاء. وتتميز مسئولية الطبيب عن المسئولية في أي مهنة أخرى لارتباطها المباشر بالنفس البشرية.
ودلت نصوص الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة على حرمة الجسد الآدمي فقد توعد الله سبحانه و تعالى كل من أقدم على إتلاف النفس في آيات  كثيرة منها قوله سبحانه تعالى :    ﮋ ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸ     ﯹ  ﯺ  ﯻ      ﯼﯽ  ﯾ  ﯿ  ﰀ  ﰁ  ﰂ  ﮊ( ).
وأرشدت السنة النبوية الشريفة إلى هذا في الحديث الصحيح: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)( ). و يدخل تحت هذا الحرمة التعدي من الإنسان على نفسه وعلى نفس غيره فكلاهما محرم, وإنما أباحت الشريعة الإسلامية علاج جسم أو جراحته وقطع جزء منه من باب الضرورة حيث تدارك هلاك النفس بإتلاف جزء أو طرف منها. فالتداوي مطلب شرعي حيث فيه محافظة على النفس وقد سبق الحديث عن أحكامه في موضوع الطب النبوي وموضوع التداوي.
أدلة مشروعية المسئولية الطبيه في العمل الطبي:
• دلالة الكتاب: دل الكتاب العزيز على مشروعية المسئولية الطبية في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﮋ ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ ﮊ( ) .
 وقوله تعالى: ﮋ ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﮊ( ).
 وقوله تعالى: ﮋ ﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ    ﮒ  ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖ ﮊ ( ).
• دلالة السنة: دلت النبوية على مسئولية الطبيب عن جنايته بعموم النهي عن الضرر فقد روى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار).
وروى أبو داود بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من تطبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن".
• دلالة الإجماع: دل الإجماع على مشروعية المسئولية الطبية كما نقله بعض العلماء كابن المنذر رضي الله عنه  إذ قال: "واجمعوا أن قطع الخاتن إذا أخطأ فقطع الذكر، أو الحشفة أو بعضها، فعليه ما أخطأ به،  يعقله عنه العاقلة".
• دلالة العقل: استدل العلماء على تضمين الطبيب إذا أخطأ أو تعدى مما أمر به العقل، فقد جعلوا حكم الطبيب في هذه الحالة كالجاني المتعدي بجناية، فكما يضمن الجاني سراية جنايته وخطئه فكذلك الطبيب يضمن سراية  ما تسبب به.
أركان و أقسام  المسؤولية الطبية
لا تقوم مسئولية الطبيب عن الخطأ الطبي المهني إلا إذا توفرت فيها أركان المسؤولية الثلاثة وهي :
1- الخطأ أو الإهمال
2- حدوث الضرر
3- العلاقة السببية أو الرابطة السببية بين الخطأ والضرر.
فلا تكتمل المسؤولية إلا بهذه الأركان.
والحاصل مما تقدم أن مدار المسؤولية الطبية يتعلق بوقوع الضرر أو سبب الضرر على المريض من الطبيب أو مَن في حكمه في سياق العلاقة المهنية الطبية بينهما. وهذه المسؤولية تندرج تحت قسمين اثنين يمكن أن تصنف فيهما كل أنواع المسؤولية الطبية، فأقسام المسؤولية الطبية هي :
1 ــ المسؤولية الطبيه الأدبيه والأخلاقيه : وهيي تتعلق بالنواحي الأدبية للعلاقة الطبية، وتتعلق هذه المسؤولية بجملة من المبادئ الأخلاقية المطلوبة من جميع الأفراد، غير أنها في علاقة الطبيب والمريض أشد حرجاً وأهمية، وهي تشمل الصدق والنصيحة وحفظ السر وحفظ العورة والوفاء بالعقد، وتنشأ المساءلة على الخطأ الطبي في هذا القسم جراء الإخلال بواحد أو أكثر من هذه المبادئ مما يؤدي إلى وقوع الضرر أو التسبب فيه.
2 ــ المسؤولية الطبية المهنية: وهذا القسم يتعلق بالنواحي العملية لنفس مهنة الطب، وتتعلق المسؤولية في هذا القسم بإخلال الطبيب بواحد أو أكثر من المبادئ المتفق عليها في عرف المهنة بصورة تؤدي إلى وقوع الضرر على المريض أو التسبب في ذلك. فالعقد المهني بين الطبيب والمريض  يلزم الطبيب بالأصول المهنية المعتبرة بحيث لا بد من أن يكون حاذقاً عالماً بطبه (وهذا هو الجانب النظري) ماهراً مطبقا فيه  ( وهذا هو الجانب العملي)، ومطبقاً لهذا العلم والحذق والمهارة على أفضل وجه ممكن، فإذا أخل الطبيب بجانب العلم أو المهارة أو الالتزام بهما ونجم عن ذلك وقوع الضرر أو التسبب فيه وقعت المسؤولية الطبية، وسوف نعرج لاحقاً على الموجبات التي تثبت وقوع هذه المسؤولية بحيث تترتب عليها آثارها.
     انتفاء المسؤولية:
يُشترط لانتفاء مسؤولية الطبيب عن خطئه أن يكون ماهراً في عمله وللمهارة أوصاف وشروط مشددة لا تتوفر إلا في من أُتي من علم الطب الشيء الكثير وتحقق له من التدريب والخبرة القدر الوفير بحيث يكون أساس علاجه .كما يُشترط لانتفاء المسئولية ألا تتعدى يد الطبيب إلى عضو صحيح فيتلفه وهو ما يعبر عنه الفقهاء بـ:"عدم تجاوز الموضع" وأن يكون علاجه للمريض بإذنه أو أذن وليه أو وصيه وأن يكون هذا الإذن صريحاً ودون قسر أو إكراه وان يكون الخطأ الذي حدث من الطبيب غير فاحش عند من يرى ذلك.
كما تسقط المسئولية إذا تخلف أحد أركانها، على انه يمكن معاقبة الطبيب بالحق العام دون الحق الخاص مثلاً إذا أخطأ ولم يحدث ضرر للمريض.  وتنفي الشريعة الإسلامية المسئولية عن الطبيب الجاهل إذا كان المريض يعلم أنه جاهل لا علم له وأذن له بعلاجه ، أما الطبيب الحاذق فلا يسأل عن الضرر الذي يصيب المريض حتى لو مات المريض من جراء العلاج، مادام المريض أذن له بعلاجه ، ولم يقع من الطبيب خطأ في العلاج، بل كان الضرر أو الموت نتيجة أمر لم يكن في حسبان الطبيب وقد اتفق فقهاء الإسلام في هذا على أن الضرر أو الموت إذا جاء نتيجة لفعل واجب مع الاحتياط وعدم التقصير لا ضمان فيه ، حيث أن من القواعد المقررة شرعاً في هذا المجال أن عمل الطبيب عن الإذن له بالعلاج أو عند طلبه يعد واجباً والواجب لا يتقيد بشرط السلامة .
كما أن قواعد الفقه الإسلامي في مجال المسئولية الطبية لم تقر بمسئولية الشخص عن فعل غيره لقوله تعالى ﮋ ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ   ﯠﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦﯧ  ﯨ  ﯩ        ﯪ  ﯫ  ﯬ     ﯭ  ﯮ  ﮊ( ). كما كان للطبيب في الإسلام الحرية التامة في العمل والتجربة والاجتهاذ في العلاج، فلا يسأل وإن خالف زملائه متى كان رأيه مبنياً على أساس سليم ، وكان ذلك سبباً في الرغبة في فتح باب الاجتهاد في العلم والطب للأطباء وتشجيعهم في البحث
  الأصول التي تنبني عليها المسؤولية الطبية:
إن بحث موجبات وآثار المسؤولية الطبية لا بد من أن ينبني على أصول وقواعد تقرر جوازه واعتباره، وتضع الإطار العام لضوابطه ومعاييره، ويمكن القول بأن الأصل العام الذي تنبني عليه مباحث المسؤولية الطبية تقوم على حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله :"من تطبَّب ولم يُعرف منه طب فهو ضامن"( ) ، فهذا الحديث هو حديث الباب كما يقال، وهو أصلٌ في تضمين الطبيب الجاهل( )، وموجب المسؤولية هنا يدور على جهل الطبيب سواء أكان جهلاً علمياً أم عملياً كما سنبين، ولقد نبه هذا الحديث على أمور يحسن تقريرها في هذا الموضع منها: 
1 ــ تقرير وجود الموجب للمسؤولية : وهو هنا الإقدام على ممارسة الطب مع الجهل بهذه الممارسة، قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:" وقوله  (من تطبب) ولم يقل : من طبَّ، لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة.
2 ــ تقرير ترتب آثار وقوع الموجب : حيث قال صلى الله عليه وسلم (فهو ضامن)، قال ابن قيم الجوزية:"وأما الأمر الشرعي (أي في الحديث) فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل"، فمتى وقع الموجب وهو الجهل وترتب الضرر كان أثر ذلك ضمان الطبيب لما أتلفه من النفس أو الأعضاء.
3 ــ تحكيم العرف في الحكم على الطبيب بالحذق: حيث قال صلى الله عليه وسلم (ولم يُعرف منه طب)، والمقصود بالعرف هنا العرف الخاص بين الأطباء، وهذا مندرج تحت القاعدة الفقهية الكلية -العادة محكَّمة-أي أن الأمور التي لم يأت الشرع لها بحدٍ معين فإنه يُرجع فيها إلى العرف، والمقصود بالعرف الخاص العرف الذي يكون سائداً بين أرباب المهن الخاصة كالحدادين والتجار والأطباء وغيرهم.

 

السابق   -  التالي