عميد معهد العلوم الإسلامية والعربية في إندونيسيا
اليوم الوطني، من الاعتزاز بالوطن إلى صناعة الأثر
يأتي اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية ليعيد إلى الذاكرة واحدة من أعظم لحظات تاريخنا الحديث، حين وحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- هذه البلاد، وأقام كياناً راسخاً يستمد مبادئه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم ويجعل من الوحدة والأمن وبناء الإنسان مرتكزات لمسيرته.
غير أن قيمة اليوم الوطني لاتكمن في استحضار الماضي وحده، بل في قدرتنا على قراءة الحاضر واستشراف المستقبل، فالوطنية الحقيقية ليست مجرد شعور بالاعتزاز، وإنما وعيٌ بالمسؤولية، وإسهامٌ في البناء، وقدرة على تحويل الانتماء إلى أثر.
واليوم، ونحن نشهد ما تعيشه المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظهما الله- من تحولات تنموية كبرى في إطار رؤية السعودية 2030، ندرك أن بناء المستقبل يبدأ من الإنسان، علماً وقيماً، وقدرة على الإبداع والمنافسة والإسهام في نهضة وطنه.
ولأن رسالة المملكة منذ تأسيسها لم تقف عند حدودها الجغرافية، فقد امتد عطاؤها إلى فضاءات أوسع، انطلاقاً من مكانتها العربية والإسلامية ومسؤوليتها الحضارية. وكان العلم والتعليم من أبرز ميادين هذا العطاء، من خلال تعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وبناء جسور المعرفة والتواصل مع شعوب العالم.
وتأتي المؤسسات والمعاهد العلمية التي تدعمها المملكة خارج حدودها أحد الشواهد على هذا الحضور، إذ تحمل رسالة تتجاوز التعليم بمفهومه المباشر إلى التعريف باللغة العربية وثقافتها، وخدمة الدراسات الإسلامية، وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال والحوار والتعايش، وبناء جسور التواصل العلمي والثقافي بين المملكة ومجتمعات العالم.
وهنا تتجلى دلالة أعمق للانتماء الوطني، فالأوطان لاتقاس قوتها بما تحققه داخل حدودها فحسب، بل بما تصنعه من أثر خارجها، وبما تقدمه للإنسان والمعرفة والقيم المشتركة. وكلما اتسع أثر الوطن، اتسعت مسؤولية أبنائه في تمثيله بما يليق بمكانته ورسالته.
وتتحمل الجامعات في هذا السياق مسؤولية خاصة، لأنها لا تبني المعرفة وحدها، بل تبني الإنسان الذي يحملها. فالأستاذ والباحث والطالب والموظف شركاء في صناعة الصورة الحضارية للوطن، بالإتقان والنزاهة، والبحث النافع، والوعي بالآخر، والقدرة على الحوار، وتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة للمجتمع والإنسانية.
إن الاحتفاء باليوم الوطني يكتسب معناه الأعمق حين ينتقل بنا من ذاكرة التأسيس إلى مسؤولية البناء، ومن الاعتزاز بالمنجز إلى المشاركة في صناعة المنجز القادم، ومن حب الوطن بوصفه شعوراً إلى خدمته بوصفها قيمة وسلوكا وأثرا.
وهكذا تصبح الوطنية وعياً يتجاوز حدود المناسبة، أن نعرف قيمة ما تحقق، وأن نحسن المحافظة عليه، وأن ندرك أن لكل جيل مسؤوليته في مسيرة وطنه. وإذا كان الآباء قد صنعوا وحدة هذا الوطن وبنوا نهضته، فإن أمانة الأجيال الحاضرة أن توسع دائرة أثره، وأن تجعل من علمها وعملها وقيمها شاهداً على وطن يعتز بجذوره، ويصنع مستقبله بثقة، ويحمل الخير والمعرفة إلى ما وراء حدوده.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها وعزها وازدهارها، ووفق قيادتها وشعبها لمواصلة مسيرة البناء والعطاء.
عميد معهد العلوم الإسلامية والعربية في إندونيسيا

تاريخ آخر تعديل: ١٩/٠٩/٢٠٢٦ - ٠٧:١٠ م بتوقيت السعودية